أحمد بن محمود السيواسي

230

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( أم ما ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 84 ] أي أي عمل منعكم عن الإيمان ولم تعملوا سوى التكذيب بآياتي ورسلي مكان الإيمان بهما متصل بما قبله ، لأنه استفهام على سبيل التوبيخ وتبكيت بالحجة وإعلام لهم أنه عالم بأنهم لم يعملوا في الدنيا إلا تكذيب الآيات والكفر بها فلا يقدرون أن يقولوا صدقنا بآياتك فتعين التكذيب . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 85 ] وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) ( وَوَقَعَ الْقَوْلُ ) أي نزل العذاب ( عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا ) من ترك الإيمان ( فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ) [ 85 ] بحجة واعتذار ، لأن العذاب الموعود شغلهم عن النطق « 1 » أو لختم « 2 » أفواههم وهذا قبل كبهم في النار . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 86 ] أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 86 ) ( أَ لَمْ يَرَوْا ) أي ألم ينظر أهل مكة نظر اعتبار ( أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ ) سكون راحة ( وَ ) جعلنا ( النَّهارَ مُبْصِراً ) أي ليبصروا به طرق التجارة والكسب ، ففي المعنى روعي التقابل في التعليل ، وقيل : معنى « مبصرا » واضحا يبصر فيه الأشياء ، جعل الإبصار للنهار وهو لأهله « 3 » ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) أي لعبرات ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ 86 ] أي يصدقون بصحة الاعتبار . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 87 ] وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ( 87 ) ( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ ) أي خاف من هيبته ولم يقل فيفزع لكون الفعل المستقبل من اللّه متيقن الوقوع كتيقن الماضي من غيره ، وقيل : المراد من الفزع فزع الصعق وهو الموت « 4 » ، أي مات من شدة النفخة الأولى جميع الخلائق ، يعني ( مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) والثانية للقيام لرب العالمين ( إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ) أي إلا من ثبت اللّه قلبه ، وهم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم أو الملائكة المقربون وهي الأربعة المشهورة ثم يموتون بعد ذلك ، وقيل : « حملة العرش وخزنة الجنة والنار والحور » « 5 » ، وقيل : « موسى عليه السّلام ، لأنه صعق مرة » « 6 » ، فاكتفي بها ( وَكُلٌّ أَتَوْهُ ) بالقصر ( داخِرِينَ ) [ 87 ] أي جميع الخلائق جاؤوا أمر اللّه وأجابوه صاغرين ، والجمع بالنظر إلى معنى ال « كل » وقرئ « آتوه » بالمد وضم التاء « 7 » جمع اسم الفاعل مع الإضافة ، ومعنى الاتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 88 ] وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ( 88 ) ( وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ) أي غير زائلة عن مكانها في عين الناظر حال عن « الْجِبالَ » ، قوله ( وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) حال ثانية من « ها » في « تَحْسَبُها » لا من « جامِدَةً » لفساد المعنى ، لأنها لا تكون جامدة مارة أي إذا رأيت الجبال وقت النفخة الأولى ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمتها ، وهي منقلعة من الأرض إلى السماء تسير حقيقة سيرا سريعا كسير السحاب لا تكاد « 8 » تتبين حركتها ، قوله ( صُنْعَ اللَّهِ ) مصدر عامله « صُنْعَ » بدلالة مرورها كمر السحاب ، أي صنع ذلك صنعا اللّه ( الَّذِي أَتْقَنَ ) أي أحكم ( كُلَّ شَيْءٍ ) أي خلقه « 9 » بعلمه وحكمته فيكون متقنا لا واهيا ، قيل : مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على مقتضى الحكمة « 10 » ( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ) [ 88 ] بالتاء والياء « 11 » ، أي عالم بما يفعل العباد وبما

--> ( 1 ) عن النطق ، و : من النطق ، ح ي . ( 2 ) لختم ، وي : يختم ، ح . ( 3 ) نقل المفسر هذا المعنى عن الكشاف مختصرا ، 4 / 211 . ( 4 ) لعل اختصره المؤلف من السمرقندي ، 2 / 506 ؛ والكشاف ، 4 / 211 . ( 5 ) عن الضحاك ، انظر الكشاف ، 4 / 211 . ( 6 ) عن جابر ، انظر الكشاف ، 4 / 211 . ( 7 ) « أتوه » : قرأ حفص وخلف وحمزة بقصر الهمزة وفتح التاء ، والباقون بمد الهمزة وضم التاء . البدور الزاهرة ، 238 . ( 8 ) تكاد ، ح و : يكاد ، ي . ( 9 ) أي خلقه ، ح : خلقه ، وي . ( 10 ) نقل المؤلف هذا المعنى عن الكشاف ، 4 / 212 . ( 11 ) « تفعلون » : قرأ ابن كثير وهشام والبصريان بياء الغيبة ، والباقون بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 238 .